تشرح الكاتبة ميراندا جيريتنام التداعيات الاقتصادية للحرب التي تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران، حيث بدأت آثار الصراع تمتد عبر الاقتصاد العالمي، بينما تظهر التأثيرات بصورة أوضح في آسيا التي تعتمد بدرجة كبيرة على الطاقة القادمة من الشرق الأوسط.
وتوضح مجلة تايم أن إغلاق إيران لمضيق هرمز تقريبًا، ردًا على الهجمات الأميركية والإسرائيلية، يهدد بحدوث موجة تضخم جديدة في دول آسيوية عديدة. تستعد حكومات من نيودلهي إلى بانكوك لارتفاع أسعار النفط، وهو ما ينعكس مباشرة على أسعار الغذاء والنقل والكهرباء. لذلك اتخذت بعض الحكومات إجراءات استثنائية مثل إغلاق المدارس أو تقليل ساعات العمل وتشجيع المواطنين على خفض استهلاك الوقود.
أزمة طاقة تلوح في الأفق
يمر نحو 80٪ من واردات النفط الآسيوية عبر مضيق هرمز، الذي يشكل أحد أهم ممرات الطاقة في العالم. منذ أواخر فبراير هددت إيران باستهداف السفن التي تعبر المضيق، ما أدى إلى اضطراب حركة الشحن وارتفاع المخاوف من نقص الإمدادات.
تملك بعض الدول الآسيوية احتياطيات محدودة للغاية من الطاقة. تشير تقارير إلى أن احتياطي النفط في فيتنام قد يكفي أقل من عشرين يومًا فقط، بينما تملك باكستان وإندونيسيا مخزونًا قريبًا من هذه المدة. في المقابل تحتفظ دول مثل الهند وتايلاند والفلبين باحتياطيات قد تكفي نحو شهرين.
تعتمد دول عدة في جنوب شرق آسيا اعتمادًا كبيرًا على واردات النفط الخام. تستورد الفلبين وتايلاند وماليزيا وبروناي ما بين 60 و95 في المئة من احتياجاتها النفطية من الخارج، ما يجعل اقتصاداتها شديدة الحساسية لأي اضطراب في الإمدادات.
تتجه أيضًا نسبة كبيرة من الغاز الطبيعي المسال القادم من الشرق الأوسط إلى الأسواق الآسيوية. تصدر قطر نحو 80 في المئة من غازها المسال إلى آسيا، حيث تستقبل الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية القسم الأكبر من هذه الشحنات. كذلك تتجه معظم صادرات النفط العراقي إلى الصين والهند.
لكن الهجمات على منشآت الطاقة الإيرانية والتوترات التي طالت منشآت في دول خليجية أخرى دفعت بعض المصافي الآسيوية إلى وقف الإنتاج مؤقتًا، وهو ما يزيد الضغوط على أسواق الطاقة.
إجراءات طارئة في آسيا
دفعت المخاوف من نقص الطاقة وارتفاع الأسعار حكومات آسيوية إلى اتخاذ إجراءات عاجلة. لجأت الهند إلى تحويل إمدادات غاز البترول المسال من الاستخدامات الصناعية إلى المنازل لضمان توافر الوقود للأسر.
طلبت تايلاند من بعض المؤسسات الحكومية العمل عن بعد لتقليل الطلب على الوقود، بينما فرضت بنغلادش سقفًا لاستهلاك الوقود وأغلقت الجامعات وخففت الإضاءة في الاحتفالات الدينية المرتقبة. كما نشرت قوات عسكرية قرب مستودعات النفط لمنع تخزين الوقود بصورة غير قانونية.
أعلنت نيبال نيتها فرض نظام لتقنين غاز الطهي، بينما خفضت الفلبين عدد أيام العمل الأسبوعية لبعض موظفي الحكومة وشجعت المواطنين على ضبط أجهزة التكييف عند درجات حرارة أعلى لتقليل استهلاك الطاقة. أرسلت باكستان سفنًا حربية لمرافقة السفن التجارية في الشرق الأوسط واتخذت بدورها إجراءات لتقليل استهلاك الوقود.
اتخذت بعض الحكومات أيضًا تدابير لتخفيف صدمة الأسعار. فرضت تايلاند سقفًا مؤقتًا لأسعار الديزل، ودرست فيتنام خفض الرسوم الجمركية على واردات الوقود، بينما أعلنت إندونيسيا زيادة دعم الوقود لتقليل أثر ارتفاع الأسعار على المواطنين.
الصين في موقع مختلف
رغم أن الصين تستورد نحو 40 في المئة من نفطها من الشرق الأوسط، فإنها قد تواجه الأزمة بصورة أفضل من دول أخرى. خزنت بكين كميات ضخمة من النفط قبل اندلاع الحرب، ما يمنحها احتياطيًا استراتيجيًا يبلغ نحو 1.4 مليار برميل.
تملك الصين أيضًا مصادر طاقة بديلة نسبيًا بفضل شراكاتها مع روسيا وإيران، حيث تستطيع استيراد الغاز عبر خطوط أنابيب برية من روسيا. إضافة إلى ذلك استمرت الصين في شراء النفط الإيراني رغم العقوبات الغربية.
تشير تقارير إلى أن إيران قد تسمح بمرور الشحنات التجارية التي يجري تسعيرها باليوان الصيني عبر مضيق هرمز، وهو ما قد يعزز مكانة العملة الصينية في تجارة الطاقة العالمية ويضعف هيمنة الدولار في هذا المجال.
تأثيرات تمتد إلى الغذاء والتجارة
لا يقتصر تأثير الأزمة على قطاع الطاقة وحده. تعتمد آسيا بدرجة كبيرة على الشرق الأوسط في استيراد الأسمدة الزراعية، حيث يمثل الخليج مركزًا مهمًا لإنتاج الأسمدة التي تعتمد على الغاز الطبيعي مثل اليوريا.
قد يؤدي اضطراب إمدادات هذه المواد إلى ارتفاع أسعار الأسمدة عالميًا، وهو ما ينعكس على أسعار الغذاء في دول كثيرة. يعتمد كبار المستوردين مثل الهند والبرازيل على الأسمدة القادمة من الخليج، لذلك قد يضطرون إلى البحث عن مصادر بديلة بتكاليف أعلى.
تعاني الصادرات الآسيوية أيضًا من صعوبات بسبب اضطراب حركة الملاحة عبر مضيق هرمز. توقفت صادرات الأرز التايلندي إلى الشرق الأوسط تقريبًا بعد تعطل الشحنات، واضطر المصدرون إلى تفريغ بعض السفن في الموانئ. كما تراجعت صادرات المنتجات الزراعية الهندية إلى دول الخليج بصورة كبيرة.
يحذر اقتصاديون من أن هذه الأزمة قد تضغط على سلاسل الإمداد العالمية بصورة أكبر من جائحة كورونا، لأن الخطر الحالي لا يتعلق بالتعطلات اللوجستية فقط بل يشمل احتمال فقدان البضائع نفسها نتيجة الصراع العسكري.
تداعيات عالمية محتملة
يرى خبراء أن الدول الآسيوية الصغيرة التي تعتمد بشدة على استيراد الطاقة قد تواجه التأثيرات الاقتصادية الأقوى. يؤدي ارتفاع أسعار النفط في هذه الدول إلى زيادة التضخم بسرعة ويضغط على العملات المحلية بسبب ارتفاع تكلفة الواردات.
يمكن أن تمتد آثار الأزمة إلى الاقتصاد العالمي بأكمله. يرفع ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين والطيران أسعار السلع والخدمات في العديد من الدول، كما قد يؤدي اضطراب سلاسل التوريد إلى تباطؤ الإنتاج الصناعي والتجارة العالمية.
يحذر اقتصاديون من أن استمرار الصراع لفترة طويلة، خاصة إذا استمرت الاضطرابات في مضيق هرمز، قد يدفع أسعار النفط إلى مستويات أعلى بكثير ويؤدي إلى تباطؤ النمو الاقتصادي العالمي.
في النهاية تكشف الأزمة أن استقرار ممرات الطاقة في الشرق الأوسط لا يؤثر فقط في دول المنطقة، بل يلعب دورًا حاسمًا في استقرار الاقتصاد العالمي بأكمله.
https://time.com/article/2026/03/16/us-israel-iran-war-trump-asia-economy-oil-energy-inflation-recession/

